الحر العاملي
76
إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات
عرفوه لكان وقت ذلك أو ما قاربه قد فهموه لأن العقل شاهد أن من عرف سلطانا عظيما بعد أن كان جاهلا بمعرفته ، وكان ذلك باجتهاده وهمته ، فإنه يعرف وقت المعرفة بذلك السلطان أو ما يقارب ذلك الزمان ( انتهى ) . أقول : ويمكن الاستدلال عليه بالتتبع والاستقراء ، فإنا لا نجد أحدا من العقلاء ولا من الأطفال المميزين يحكم بأنه خلق نفسه ، بل ولا من يشك في أنه خلق نفسه أو خلقه خالق وغيره ، ولا من يشك في أنه وجد بعد العدم أو لم يزل موجودا ، بل كل أحد جازم بوجود خالق ومؤثر في الجملة ، وإن اختلفوا في تعيينه ، فقيل : هو الدهر وقيل : الطبائع إلى غير ذلك ، واختلفوا في وحدته وتعدده ، وكل ذلك من تفاصيل المعرفة ، ولا شك أنها كسبية . وقال الشهيد الثاني في رسالته الموسومة بالاقتصاد والإرشاد إلى طريق الاجتهاد أن كثيرا من العلوم والمباحث المشهورة بين العلماء كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، ثم قال : إن الفكر والاستدلال غريزتان للإنسان لا يحتاج فيهما إلى البيان ، كما أشار إليه جل جلاله : فَأَقِم وَجْهَك لِلدِّين حَنِيفاً فِطْرَت اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْها « 1 » . ونبأ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه وينصرانه ؛ ثم قال ولا شك أن كل عاقل فله قوة فكرية يرتب بها المعلومات وينتقل منها إلى المجهولات وإن لم يعلم كيفية الترتيب والانتقال ، كما يشاهد في بدء الحال من الأطفال ، ثم نقل بعض كلام ابن طاوس السابق وقال : إن هذه المرتبة الفطرية مع الإشارات والتنبيهات الشرعية لا تتوقف على تعلم علم مدون ، ثم استدل على ذلك بوجوه : الأول : أن المكلف إذا بلغ في أثناء النهار وجب عليه صلاة ذلك اليوم ولا تصح إلا بعد الإيمان ، ولا شك أن في هذا القدر من الزمان لا يتمكن أحد من الوصول إلى تعلم علم مدون كالمنطق مثلا ، فلو لم تكن الفطرة الإنسانية مع الهدايات الشرعية الإلهية كافية في تحصيل أصول الدين ، لزم التكليف بما لا يطاق ضرورة عدم جواز التقليد في الأصول بالاتفاق .
--> ( 1 ) سورة الروم : 30 .